لماذا تحي الأمة الشركسية ذكرى 21 / 5

لماذا تحي الأمة الشركسية ذكرى 21 / 5

ذكرى الكارثة والفداء

12 مايو/أيار 2017

تحيي الامة الشركسية في الوطن الام وفي اماكن تواجدها في المهجر في 21/5/ من كل عام ذكرى المأساة التاريخية الكبرى التي ألمت بالأمة الشركسية جراء العدوان الذي قامت به القوات الروسية القيصرية ضد الإنسان والأرض الشركسية بهدف القضاء على الإنسان الشركسي واحتلال أرضه الوطن التاريخي للشراكسة (شركيسيا الكبرى) أي ارض بلا مواطنين.

كان الهدف من العدوان إفناء الشعب الشركسي عن بكرة أبيه لذلك قامت هذه القوات بإتباع كل الوسائل الكفيلة بإبادة الشعب الشركسي من قتل للإنسان الشركسي دون أن يفرق بين رجل وامرأة وطفل وشيخ وتدمير كل وسائل العيش بحرق المزارع والحقول ونهب الثروات من غلال وحيوانات تخصهم وتهجير ما تبقى إلى أصقاع المعمورة .

وسأورد هنا مشاهد من بعض فظائع أعمالهم:

*مع انهيار الخطوط والدفاعات الشركسية بدأت حرب الإبادة التي قادها كل من الجنرالات افريين وغايمان وشاتيلوف وميرسكي وغيرهم الكثير .وكان هناك الآلاف من القرى والبلدات الشركسية التي أبيدت وأحرقت .فعلى سبيل المثال عندما تقدمت إحدى القوات الروسية المؤلفة من 14000 جندي .لم تكن القوات المدافعة في تلك المنطقة تزيد على سبعمائة مقاتل ,وبعد أن دمرت القوات الروسية القرية كتب احد الشعراء الروس يقول :…( لقد ذبحوا الأطفال كأنهم نعاج ،وقتلوا الشيوخ كأنهم شباب ،واستباحوا النساء كأنهن بغايا , لم يبق في القرية حجر على حجر ،أو جذع على شجرة ،أو طير على غصن ،أو طفل على ذراع !… الموت يحصد بمنجله الرؤوس ،والمرض ينتشر في الجو كالضباب والوباء الفتاك يطل برأسه الأسود على القرى المقوضة ،وينعق على خرائبها كالغراب).

*وفي إحدى القرى كان عدد الشراكسة المدافعين حوالي 70 شخصا وكانوا مسلحين بأسلحة تقليدية وبنادق عادية ،وبعد مقاومة عنيفة لم ينج من هذه المعركة سوى طفل صغير ،لم يبق له إلا أن يلحق بالقوة التي دمرت قريته وقتلت أباه وأمه ويصف احد الضباط الروس هذا المنظر المؤلم قائلا : ( خلف القوة مشى ولد رث الثياب حافي القدمين مطرقا ،يحدق في الطريق المتربة ،وبعد أن قطعت العربة الطريق الذي يلتوي كالأفعى صاعدا إلى قمة الجبل توقف الولد وانتظر حتى ابتعدت القوة قليلا ،ثم استدار والقى نظرة مفعمة باليتم إلى القرية التي ترقد في الأسفل ،كان الطفل يهجر الى الأبد مسقط رأسه ،هذا الطفل الشركسي الذي فتح عينيه على العاطفة والجمال ،صدمته الحياة بقسوة ووحشية باقتلاع جذور عائلته ،وبينما كانت عيناه جامدتين على قريته الصغيرة ،عادت إلى مخيلته الأهوال والمصائب التي حلت بها وكيف قتل الجنود أباه وأمه ،وفكر بأنه لم يبق له احد , كان موقنا بأنه أصبح يتيما يتما كاملا ،ولا يعرف شيئا عما يخبئه له الغد ,

*مع حرب الإبادة ،وانتشار الأمراض والأوبئة فقد الشركس الأمل في الحياة والبقاء .وقد تم اقتلاع وإبعاد معظمهم إلى الشاطئ للتهجير القسري.

فماذا يمكن للإنسان أن يحمل معه ؟سلاحه وابنه وماله .كان منظر هؤلاء وهم يهجرون إلى الأبد من قراهم التي احرقها الروس يدعو إلى الحزن العميق ،وقد مات الكثير منهم بسبب الجوع والبرد والمرض .يصف احد الضباط الروس منظر هؤلاء : ( رأيت أناسا رجالا ونساء مستلقين على الأرض فرادا وجماعات ،وأحيانا بشكل صف طويل ،بعضهم انكب على وجهه أو على جانبه ،والأكثر كان مستلقيا على ظهره وقد عقدوا أيديهم على صدورهم .مشيت مارا فوق الجثث رايت جثة وقد غطى وجهها قلبق شركسي ،ووقف أمامها حصان دون سرج ،وقد اخفض رأسه ولاحظت أن الحصان كان هزيلا جدا ،حيث ظهرت عظام ظهره وغار بطنه ،وفهمت انه يقف بصعوبة وقد قرر الموت إلى جانب صاحبه وعندما أدرت وجهي جانبا رأيت امرأة عجوزا وجهها مغطى بمنديل صوفي ،ظهر من تحته شعر رمادي طويل ،وصبيا متقوقعا على نفسه حتى أن ركبتيه قد وصلت إلى ذقنه ) من يريد الاطلاع على المزيد من الوثائق فسيجدها في موقع الابادة الجماعية, هذه المشاهد جميعها تشير إلى فظاعة الأعمال التي كانت القوات الروسية القيصرية تقترفها بحق الشراكسة.

إن البيانات التي كان الحكام الروس ينشرونها كوسيلة للإعلان عن خططهم ونتائج العمليات العسكرية قد جاءت صاعقة للعالم المتحضر حيث انعكست بوضوح مدى الم الشعب الشركسي والمآسي التي عانى منها نتيجة لمقاومته الباسلة الطويلة ودفاعه عن حريته وفي ما يلي بعض من تلك البيانات :

*(لا يمكن إخضاع الشعب الشركسي سوى بالرعب والقتل ،ليس هناك طرق أخرى للتغلب عليه (الجنرال يرمولوف) ,

*(القرى تحترق لا احد آت للمساعدة الحراب التي تخترق البيوت لا ترحم أطفالا ولا شيوخا ولا نساء يلطخون الفتيات المسكينات وأمهاتهن بأيد دموية (الشاعر الروسي ليرمونتوف) ,

*(لا ابحث عن السلام وحسن الجوار أني أطالبهم باستسلام لي دون مقاومة ،سوف استمر بالهجوم بكامل القوة إلى حين ما يغادر آخر الجبليين إلى حيث ما أشير (الجنرال يفدوكيموف).

شملت خطة الحكم القيصري المعنية بسياسة الاحتلال والوصول الى المياه الدافئة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يلي:

*إضعاف الشركس عن طريق القضاء على المقاومة بواسطة الحروب والتهجير القسري للشركس ,

  • *تأهيل الأراضي المهجورة بالقوزاق والمهاجرين الروس:

فالعدوان الروسي القيصري خلف آثارا سلبية جدا ووضعت الشعب الشركسي وحضارته على شفا حفرة الفناء التام, لقد فقد الشعب الشركسي في الحروب الروسية القفقاسية أكثر من مليون إنسان على مدى (100) عام ونيف ،كما هجر (90%) ممن سلم إلى الإمبراطورية العثمانية ،وتبقى من أراضي شركيسيا الكبرى اقل من (10%) من الأراضي التي تعتبر الأرض التاريخية منذ صدر التاريخ للشعب الشركسي ،لقد انقرضت قبائل شركسية كثيرة عن بكرة أبيها البقية الباقية من الشعب الشركسي التي لم تتعرض للتهجير القسري تم توطينها على شكل مجموعات بشرية صغيرة العدد في القرى،بعيدة الواحدة عن الأخرى ومحاطة بعشرات القرى القزقية التي بنيت على أنقاض القرى الشركسية المحروقة وذلك لسهولة السيطرة عليها

لم تقبل الأمة الشركسية الهوان على نفسها وكانت تنتظر الفرصة للانعتاق من الاحتلال ففي عام 1835 وتبعاُ للأوضاع الصعبة التي نتجت عن الحرب ، اتحد رؤساء قبائل الاديغة وخرجوا بإعلان الاستقلال ثم بعثوا به إلى ملوك اوروبا واسيا وكان لهذا التصرف أثر كبير في الدبلوماسية العالمية ، وقد تم نشر الاعلان في الكثير من إصدارات الصحف الأجنبية :

ومن أهم ما جاء فيه :

إن سكان القفقاس ليسوا رعايا لروسيا ، وحتى أنهم ليسوا على سلم معها، لكنهم وعلى مدى أعوام كثيرة ، مجبرون على محاربتها وهم يخوضون هذه الحرب بدون أي مساعدة خارجية ولم يتلقو قط أي مساعدة أو دعم من أية حكومة.

هذه البلاد يمكن احتلالها فقط بالسلاح لا بالكلام، وإذا أخضعتنا روسيا فستكون فعلت ذلك لا بقوة السلاح بل بقضائها على اتصالاتنا واستخدامها لتركيا وفارس وكأنهم ينتمون إليها وبحصارها لسواحلنا وتدميرها ، ليس لبواخرنا فحسب بل لبواخر الدول التي تأتي الينا وبإبعادنا عن السوق الذي توجد فيه المنتجات الضرورية وبمنعنا من الحصول على الملح والبارود والمستلزمات الحربية الأخرى لاستمرار حياتنا وحرماننا من الأهل.

إلا أننا مستقلون أحراراً ، إننا نحارب وننتصر ، وممثل الامبراطور الذي يقدمنا لأوروبا على أننا عبيده ، والذي يشير في الخارطة إلى بلادنا على أنها بلاده، بدأ مؤخراً يجري اتصالات مع الشراكسة لكن ليس لوقف المقاومة بل ليتم مبادلة ( 20 ) الف شخص ثم أسرهم من قبلنا.

وفي محاولة أخرى للتحرر اجتمع في مدينة بلادي قفقاز بتاريخ 21/5/1917 خمسمائة ممثل لقبائل القفقاس الشمالية وقد دام المؤتمر ( خمسة ) أيام وقرر الحاضرون بالإجماع الانفصال عن الامبراطورية الروسية وإقامة دولتهم المستقلة كان هذا المؤتمر الأول من نوعه في تاريخ قبائل القفقاس الشمالية من حيث شموله ، وقد حضره كمراقيبن مندبون عن شعبي الاذربيجان وجورجيا.

وبتاريخ ( 11/5/1918) تم إعلان استقلال القفقاس الشمالية وجرى إبلاغ الدولة العثمانية وسفراء الدول العظمى في استانبول بصورة رسمية كما قام وفد يمثل القفقاس الشمالية بالتوقيع على معاهدة صداقة وتعاون بتاريخ (8) حزيران ( 1918) مع الدولة العثمانية التي تعهدت بموجبها تقديم المساعدة لجمهورية القفقاس الفتية.

وحاولت حكومة القفقاس الشمالية في تلك الفترة إقامة اتحاد كونفدرالي بينها وبين حكومات القفقاس الجنوبية أرمينيا ، اذريبجان وجورجيا وذلك لتشكيل جبهة موحدة ضد الخطر الروسي لأن مصير جمهوريات الجنوب مرتبط بمصير القفقاس الشمالية ولكن هذه المحاولة لم تتكلل بالنجاح وقضيت على دولتهم الفتية.

لم تهدأ الجهود الشركسية في التحرر والاستقلال من تلك الفترة وحتى يوم الناس هذا فتبذل الجهود في الوطن الأم وفي المهجر لنيل حريتهم واستقلال وطنهم التاريخي شركيسيا الكبرى إلا أن المحاولات الروسية مستمرة أيضاً للحيلولة دون تحقيق رغبتها بكل وسائلها وإمكاناتها وتسلك طرقاً ملتوية وتقوم بافتراءات بعيدة عن الحقيقة في محاولة لإقناع العالم بوجهة نظرها واستمرار احتلالها للوطن الشركسي.

فالمحاولات الروسية لعرض الحالة الشركسية على نحو أن الشركس يتمتعون بدولتهم الخاصة في القوقاز هو في الواقع جهد كبير ومتعمد لتزييف التاريخ في الواقع ،في حين أن ما يقرب من خمسة ملايين من الشركس يعيشون في المنفى في أكثر من خمسين بلدا ،واليوم فان اقل من مليون من الشركس بقوا في وطنهم ويعيش معظمهم في ثلاث جمهوريات في شمال القوقاز مفصولة بحدود مصطنعة وتم تحديدهم رسميا قبردينو بلقاريا , كراشيفوشركيسك والاديغي ومقاطعة الشابسوغ وهذا يعني إنهم ليسوا بأسمائهم العرقية ولكن على طريق مواقعهم الجغرافية وتقطيع اراضي شركيسيا إلى قطع منفصلة وإعطائها أسماء مختلفة , بهده الطريقة فان روسيا تحقق على نحو فعال الهدف المتمثل في القضاء على الهوية الوطنية للشركس فضلا عن محو شركيسيا بصريا من الخارطة الجيو سياسية للمنطقة.

وكذلك فإن ادعاءات روسيا بأن الشراكسة دخلوا روسيا طواعية باتفاقية عقدت بينهما في عام ( 1556)هو تزييف للواقع ايضاً حيث ان كل المعارك التي دارت بينهما كانت بعد هذا التاريخ.

وتؤمن الامة الشركسية ان وطنها شركيسيا , الوطن التاريخي لم يدخل في روسيا طواعية بل احتل من قبل القوات القيصرية الروسية ولم تستطع نيل الاستقلال حتى الان ولا زالت تئن تحت الاستعمار الروسي ونود الاشارة هنا الى حقيقة تاريخية تؤكدها المراجع العلمية والمراكز المتخصصة الا وهي (انه لم يكن للاتفاقيات التي عقدت في القرن السادس عشر دور اساسي في ادخال الاديغة ضمن الدولة الروسية بل توقفت على تطور نظام الدولة الروسية وانجازاتها العسكرية والدبلوماسية وتوسع اراضيها نحو القفقاس وبحصر المعنى لم يحدث في اواسط القرن السادس عشر ما يمكن تسميته بانضمام او دخول طوعي للاديغا ضمن روسيا) هذا ما افاد به معهد التاريخ التابع لاكاديمية العلوم الروسية في رده على الطلب الرسمي الذي تقدمت به جمهورية الاديغى الشركسية في عام (2006) بخصوص ما تسمى ذكرى (450) عاما لإقامة العلاقات بين روسيا وشركيسيا.

من جانب آخر وبالنسبة للابادة الجماعية التي قامت بها روسيا القيصرية ضد الشعب الشركسي .أود أن أشير في هذا المجال الى ان عدد الشراكسة إبان الحروب الروسية الشركسية كما يشير خبراء في الديموغرافيا كان حوالي (3) مليون نسمة وفي ذات الوقت كان عدد سكان مصر العدد نفسه فالكل يعلم ان عدد سكان مصر الان اصبح ما يقارب 100 مليون نسمة بينما ظل عدد سكان الشراكسة في العالم لا ينوف عن خمسة ملايين. أن لم تكن هذه نتاج عملية إبادة فماذا تكون ؟

لذا نأمل من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان ان يقفوا إلى جانب الأمة الشركسية في مطالبتها روسيا الفدرالية الاعتراف بالإبادة الجماعية التي قامت بها روسيا القيصرية إبان احتلالها لشركيسيا الوطن التاريخي للشركس لانها الوريث الشرعي لروسيا القيصرية.

كما أود أن أوضح بأن الشراكسة وهم يطالبون الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لنصرتهم في مسعاهم السياسي والدبلوماسي لاسترداد حقوقهم القومية والوطنية والوطن التاريخي للشراكسة ( شركيسيا ) يؤكدون أن بحوزتهم وثائق رسمية وتاريخية بكل ما ألم بالأمة الشركسية ديموغرافياً وجيسوسياً جراء العدوان الروسي القيصري والسوفياتي وروسيا الفيدرالية

هذا غيظ من فيض مما اقترفتها روسيا بحق الامة الشركسية , فمن حق الاجداد الذين دافعوا عن الارض والعرض والدين بالمهج والارواح على احفادهم المنتشرين على مساحة (40) دولة في العالم ان يستذكروا بطولات الاجداد في ذكرى 21/5/ في ذكرى الكارثة والفداء استذكارا لهول ما المت بالامة الشركسية من الام وماسي جراء العدوان الروسي على الامة واحتلال كامل التراب الوطني الشركسي , ووفاء للعهد الذي قطعه الاباء للاجداد باسترداد كامل الحقوق المشروعة.

محمد شعيب حمزوق

Share Button